ابن بسام
55
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
منسدل عليه ، وعساكره تحفّ به وتطيع أمره . وكان يحمل بين يديه شراع خفيف منصوب ينقل على الأيدي ، فإذا حركته الخلفة [ 1 ] أنزل سريره إلى جنب الشّراع ليقضي ما به من حاجة ؛ وتناول وضوءه جاريتان من قوّامه كان حملهما في غزاته ، فكانتا تسيران وسط الفتيان . وما كان بين نزوله واستقلاله إلّا الفترة لقوّة الخلفة ؛ بذلك قطع أربعة عشر يوما حتى وصل إلى مدينة سالم . وكان هجر الأطباء في علته تلك لاختلافهم فيها ، واقتصر على أوصاف كاتبه الجزيري عبد الملك . وأيقن هنالك بالموت ، وكان يقول : إنّ زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما فيهم أسوأ حالا مني ؛ وددت أن أقال زلّتي وأنا كبعض هؤلاء السّودان الحاملين لسريري . وكان تحمل سريره السّودان الرقاصة للين مشيهم ، وكان يتأذّى بصنان ريحهم مع ما كان حوله من الطّيب . فاشتغل ذهنه يومئذ بقرطبة وهو بمدينة سالم وقد أيقن بالوفاة . فأمر ابنه عبد الملك بالنّفوذ لشدّها في طائفة من ثقات غلمانه بعد أن أوصى كلّهم أشتاتا وجماعة . ثم خلا بولده عبد الملك يوصيه ويودّعه ويقبض على يده ، وكلما ذهب عنه استردّه مستدركا بوصيّته . وعبد الملك يبكي فينكر ذلك عليه ويقول : هذا / أوّل العجز والفشل ؛ إلى أن قضى وطره مما بينه وبين عبد الملك . وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر إلى أن ينفذ حكمه فيه . وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي ابن [ 50 ] ذكوان فدخلها في صدر شوال من العام ، فسكّن الإرجاف بموت والده ، وعرّف الخليفة كيف تركه . قال ابن حيان [ 2 ] : قال لي أبي خلف بن حسين : ووجد المنصور بعض الراحة ، وأمر أن تدخل عليه جماعة فدخلت في جملتهم ودنوت منه وهو كالخيال لا يبين كلاما ، وأكثر عمله بالإشارة كالمسلّم المودّع . وخرجنا فكان آخر العهد به . ومات ليلة الاثنين لثلاث بقين لرمضان من العام المؤرّخ ، وعلينا في العسكر عبد الرحمن ابنه فعزّيناه ، وكان أوصى أن يدفن حيث يقبض ولا ينقل تابوته . فدفن في قصره بمدينة سالم . ورأوا أنّه اختار اللّه له ، إذ كانت من أطيب ما بناه رحمه اللّه . وتلوّم ابنه عبد الرحمن بالعسكر مدّة الأسبوع وهو ينتظر رأي أخيه عبد الملك في القفول ، والغلمان يضطربون عليه وطمعوا في ردّ الدولة ، فقال لهم عبد الرحمن :
--> [ 1 ] ص الحلبة ، والخلفة : الهيضة ، وهي فساد المعدة من الطعام يقال : أخذته خلفة إذا كثر تردده إلى المتوضأ لذرب معدته من الهيضة . [ 2 ] قارن بالنفح 3 : 94 .